تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

208

نظرية المعرفة

ولكن مع ذلك كلّه تراهم إذا وصل الأمر إلى المسائل العقائدية وما يرجع إلى ما وراء الطبيعة ، ينكرون الاستدلال الثاني ، أو يشكّون فيه ، مع ما عرفت من جريان سيرتهم العملية عليه في أمورهم العادية . وهذا ممّا ينقضي منه العجب ! ! . وبرهان النظم الّذي يعتبر من أهم أدلّة الإلهيين على إثبات صانع العالم ، يرتكز أساساً على الاستدلال بالآية على ذيها بصور وتقارير مختلفة . « 1 » ومجمل القول فيه هو أنّ العقل إذا لاحظ النظام البديع بما فيه من النواميس المبنية على القواعد الدقيقة ، يذعن بأنّه صادر عن فاعل عالم محيط بالمادة وخصوصياتها ، والقوانين والنواميس المتحكمة في أجزاء الكون ، من ذرّته إلى مجرّته ، وأنّه لا يصحّ أن يستند هذا النظام إلى نفس المادة الصمّاء ويعدّ من آثارها ، أو يستند إلى الصدفة . وهذا استدلال عقلي آيوي . القرآن والمعرفة الآيوية ركز القرآن الكريم على هذا النوع من المعرفة ، وكرر في كثير من آياته قوله تعالى : « وَمِنْ آياتِهِ » « 2 » * ، و : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ » « 3 » * ونحو ذلك ممّا يفيد تأكيده على لزوم التعرف على ذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وما فيه من الكمال والجمال ، عن طريق النظر والتدبر في آثاره وآياته ، نظير الاستدلال بالموسوعة العلمية على تبحّر مؤلفها وجامعيته في المعرفة . فذاته سبحانه ، بما أنّها مجهولة الكنه ، لا يسع العقل البشري الممكن أن يتعرف عليها ، فلذا لم يكن بدٌّ من اللجوء إلى آثاره ، والنظر فيها ، والاستدلال بها على ما في مؤثرها من كمال وجمال ، وهذا الطريق متاح للجميع .

--> ( 1 ) . سيوافيك بيانها في بحث إثبات الصانع . ( 2 ) . الروم : 20 و 21 و 22 و 23 و 24 و 25 و 46 ، فصّلت : 37 و 39 ، الشورى : 29 و 32 . ( 3 ) . يونس : 67 ، الرعد : 3 و 4 ، إبراهيم : 5 ، الحجر : 75 ، النحل : 12 و 79 ، مريم : 128 ، المؤمنون : 30 ، النمل : 86 ، العنكبوت : 24 ، الروم : 21 و 22 و 23 و 24 و 37 ، لقمان : 31 ، السجدة : 26 ، سبأ : 19 ، الزمر : 42 و 52 ، الشورى : 33 ، الجاثية : 13 .